رواة المؤامرة.. تخييل نشرات الأخبار

أحمد الفخرانى

تنتشر تلك العبارة علي فيس بوك، عقب خبر اخلاء سبيل مبارك: الناس اللي زعلانة من خروج مبارك أمال هتعمل إيه لما عمر سليمان يرجع".

تبدو العبارة علي هزلها، مصممة لبث الرعب، عدم وفاة عمر  سليمان، رواية لها جسدها المتماسك، وأهدافها، فادعاء وفاته وفقا لرواية المؤامرة، هي هدف استراتيجي لادارة الصراع، بعيدا عن محاولي اغتياله، أما وفاته نفسها فكانت أيضا نتيجة مؤامرة، فمن قتله هم الأمريكيون لصالح جماعة الإخوان المسلمين، وتتردد الحكايات عن رؤيته في القاهرة ويحضر حفل زفاف ابنته  في مدينة كان وفي أمريكا حيا يرزق، لاستكمال الثغرات.

ربما كصحفي، أشعر بالرثاء للابتعاد عن الحقيقة، لكن كروائي، أنظر لسرديات المؤامرة، كمجاز، لا فارق لدي بين الكذب والحقيقة، الخيال يجعل المسألة أكبر من معرفة مكان الحقيقة، ثم أن لكل طرف في الاحتراب الأهلي روايته، ثمة جانب ممتع ومسل كالفن، في الأخبار المدسوسة والمفبركة، علي مواقع يعرف متابعينها أنها تكذب، لكنهم يقومون بمشاركتها علي مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها حقائق مطلقة، والأجمل روايات المواطنين العاديين التي تملك تفسيرا لكل شيء.

> > >

السؤال هنا، لماذا تبدو حكاية وفاة عمر سليمان، واغتياله، وعودته إلي الحياة منتصرا، موجودة أصلا، بل وقابلة للتصديق، لأن انصار الدولة الميتة، يرغبون في عودة الزومبي للسيطرة علي أوصال المدينة.الفكرة ليست في مطلق رواية التآمر، بل في كم متابعينها، مؤيدينها، هؤلاء الذين يتبرعون باستكمال الأدلة الناقصة و سد ثغرات الرواية.

ألم يخيفك نوعا، الدور الذي لعبه محمد حسنين هيكل،في 30 يونيو، كهان الدولة الذين لا تقتلهم النوائب، ولا يقصمهم المرض ، ويبدون في كل لحظة أكثر حيوية وشبابا، من أعمارنا المخطوفة والمغتالة. هل ترغب في رواية تفسر، لماذا لا يموت الكهنة،بينما نموت نحن مبكرا،بالرصاص أوبالغدر أو بالمرض،إليك واحدة

غادة عبد المنعم، كاتبة وصحفية، كما يشير  حسابها علي فيس بوك، تملك عددا من الروايات المثيرة لخيال لا يبحث عن الحقيقة، وانما يستمتع باللعبة، تصدق غادة كل ما تقول، وتخبرنا أيضا أنها تحصل علي مصدرها، كأي سردية تآمر تحترم نفسها، من مصادر مخابراتية، منحتها تلك المعلومات كي يستفيدوا من ذكائها (غادة وفقا لقوائم تنشرها تحمل أعلي معدل ذكاء في العالم، وذات مرة وضعت الكاتب ياسر عبد اللطيف،في قائمة أذكي عشر كتاب رجال)، في تحليل تلك المعلومات، وعندما تمنح تلك المعلومات لمصدر واحد ولا تعرض علي عدد من الصحفيين، يصبح المصدر الواحد هدفا واضحا للشك.

يفترض هنا،أن حيلة المخابرات،هي أن تقول الحقيقة الصادمة،مباشرة أمام عينك،ولن تصدقها،لوعورتها علي النفس.اتفق مع غادة في تلك الفكرة الرائعة:أخبرهم بالحقيقة المرعبة،تلك أضمن طريقة لقتلها.يمكن تلخيص 3000 كلمة هي  النوت الذي يحمل رواية متسقة ومنسقة ومتماسكة للرصيف الآخر من العالم في الآتي: اكتشف العالم،في 1887 إمكانية تسجيل أفكار ومشاعر الإنسان واعادة بثها،فيشعر الآخرين،بنفس المشاعر،هكذا يتم التحكم في أفكار البشر من وقتها. في 4 أكتوبر 1954،أطلقت روسيا القمر الصناعي سبوتنك 1،بعد ما يزيد عن قرن،من مراقبة وتسجيل أفكار البشر باستخدام الأقمار الصناعية والحواسب الآلية،من قبل أجهزة المخابرات. يقوم سبوتنك 1 بالتواصل مع المخ البشري،من أجل التجسس الذهني،وصياغة أفكارهم وسلوكياتهم،وتنازع المعسكرين الشرقي والغربي مناطق السيادة علي المعلومات، واقتسام ناتج ذكاء الشعوب الفقيرة وابداعها. المصريون طيلة الوقت علي رأس أذكي شعوب العالم.عبد الناصر عقد الاتفاق التالي،مع روسيا: مراقبة أفكار المواطنين في مصر والدول العربية. لم يكتف عبد الناصر بمعرفة كيف يفكر مواطنوه،بل قام ومنذ عام،1962 بتوجيه أفكار العرب، وقولبتهم سلوكيا، وارسال هدايا إلي عقولهم ممثلة في هواجس ومخاوف. يدعي هذا النظام (إنفو ميتر) وهو يتحكم في عدد المؤيدين والمعارضين حسب الحاجة،بل ونوعيتهم، فمن بين المعارضين،من يفصح عن آرائه،وبعضهم يجب أن يكون معارضا صامتا.

استفاد الحكام العرب، من السيطرة علي مواطنيهم، وباعوا أفكارهم للغرب، مقابل أموال ورشاوي أحد رؤساء المخابرات المصرية، فؤاد زكريا، ثار علي الانفو ميتر، فتمت السيطرة عليه من قبل النظام،لكن الحرب الذهنية الشرسة التي حاوطته، من مجتمع بأكمله يهلل للنظام،ساهمت في مضاعفة أثر برنامج السوفت وير،الذي أجبره علي عدم البوح بالسر،واحتجزه نفسيا ودفعه دفعا للاكتئاب والصمت والكف عن التفكير والمقاومة،والعزلة،والشعور بالحيرة وعدم القدرة علي اتخاذ القرار،والاحساس الطاغي بالذنب.

تبني غادة علي فرضية أن المصريين هو الشعب الأذكي في العالم،مبررا لسرقة أفكاره،واعادة استخدامها عند الحاجة في العالم الغربي،بل ويستفيد من وضعيتهم الفقيرة بحثهم علي مزيد من التفكير،لاستخدامها مرة أخري،فاذا واجه طبيب بريطاني مشكلة في مرض تفتت الشرايين، يحث طبيبا مصريا علي التفكير في دواء لشفاء المرض،والتواصل معه ذهنيا، لمساعدة الطبيب البريطاني،وتلك الأجهزة وراء حالات الشرود وأحلام اليقظة والنوم والاغتراب النفسي التي تصيبنا بسبب التفكير الدائم في حل مشكلات الغرب.

لا يكتفي الغرب أيضا بسرقة الأفكار،بل يقوم بسرقة البويضات والحيوانات المنوية لشعوبنا،عن طريق موجات تم اكتشافها عام 1961،وتم تطوير نظام لتسهيل تلك السرقات،لتحسين نسل الغرب، ومعدلات ذكائه، وكان الشعب ذو النصيب الوافر من السرقة هو الشعب المصري، حتي أن 10٪ من سكان العالم لقحوا من نطفه،واصولهم الجينية تعود للمصريين. ضم الاتفاق الذي عقده عبد الناصر أيضا وفقا لرواية غادة،قولبة أفكار المصريين تبعا لرغبته عبر القمر الروسي،مقابل الحد من زيادة النسل في مصر،الحد من تعليمهم،منع تزاوج العباقرة-تري غادة أن المصريين في التصنيف الأول لأذكي سكان الأرض- قتل الأذكياء منهم عن بعد،وضع برنامج ترمومتر عمري لمنع الشباب من الاحتفاظ بأعمارهم وشبابهم،في مقابل منح تلك القوة والعمر الطويل لرؤساء الجمهورية ووزراء الدفاع والمسئولين المهمين،ونقل النطف المصرية إلي الغرب الذي يحتاج إلي تحسين نسبة ذكاء سكانه.

> > >

تلك الروايات الموازية للعالم،تملك وجاهتها وأعذارها،ففي النهاية نحن نرزح تحت القهر،وأصواتنا الأنبل تقتل نهارا في الشوارع أو يخطفها الموت المبكر،لا ننسي الحسيني أبو ضيف،وعدد من الثوار الذين تم قتلهم في الثلاث السنوات الأخيرة،في مقابل أعمار يبدو أن لا نهاية لها لكهان الدولة المصرية،في متوسط أعمار يتخطي الثمانين بصحة جيدة ويحكم،وتبدو الدولة المصرية،كأن لا عمل لها  سوي قتل الطموح وعرقلة الذكاء.

أما الثورة المصرية في عمومها،فقد تعرضت في كل مسار لها لعمليات اجهاض واغتيال معنوي،سممت طموحاتها،وفرغتها من معناها،دولة القهر ربما يجد مواطنيها منفذا عبر استساغة أحاديث المؤامرة.

حتي عودة عمر سليمان، فلا زال البعض ينتظر عقب كل فشل، قيام رجل خارق وقوي بانتشالنا من كل هذا التعقيد،رجل يستطيع حتي أن يعود من الموت.

العودة إلي عمر سليمان، تستوجب أن تذكر في الكتاب سامح أبو عرايس أحد ممثلي حملته الانتخابية والذي لا يؤمن الآن سوي بشيئين: أن عمر سليمان حي وأن مبارك هو رئيس مصر القادم وأن تنحيه كان خدعة لادارة الصراع ضد مؤامرة الغرب لاعادة ترتيب الوطن العربي في مشروع الشرق الأوسط الكبير، يروي لنا خيال سامح أبو عرايس الآتي:

في ابريل 2013، ظهر اعلان زبادي، تقوم فكرته علي أن رجل عجوز يرقد علي سرير في مستشفي، يستعيد قوته الجنسية، عبر اكل الزبادي، وهو ما أوله عرايس إلي أنها رسالة من الصهيونية والماسونية العالمية إلي مبارك مفادها أنهم يعلمون أنه من يقود أجهزة الدولة المصرية ضد مؤامرة الشرق الأوسط الكبير، ويتم تهديد الرجل العجوز عبر سيدتين يحملان معلقتين خلف ظهرهما أنه لازال لديهما وسائل أخري لم تظهر بعد للقضاء علي مبارك الذي أظهر أنه "مش بس تسعين سنة ده انت تسعين حصان" كما يقول الاعلان أو الرسالة الخفية إلي مبارك.

فالماسونية هي من أعادت فؤاد المهندس إلي الحياة في اعلان بيبسي، والذي هدد وفقا للمفسر بأن عددا كبيرا من الأشخاص سيموت في رمضان، وهو ما تحقق في قتلي الحرس الجمهوري من الإسلاميين، فالاعلان عندما يقدم شخصا ميت ويقول "رمضان هو اللي يكمل لمتنا"، فلا شيء يجمع الشمل مع رجل ميت سوي الموت، بينما نيللي التي هبطت من أعلي في الإعلان فترمز إلي لوسيفر، وقتلي الحرس الجمهوري هم قربان له.

في النهاية، وجب التنويه لا يوجد ما يجمع سامح أبو عرايس الذي يؤمن أن ثورة يناير كانت خيانة مدبرة من قبل القوي الخفية التي تحكم العالم وتتحكم في مصائره من غرف مغلقة وبين كتاب الستينات كصنع الله إبراهيم سوي عبارة مجيدة تري في البرادعي "جزء من مخطط أمريكي تم زرعه في مصر".

ثمة شيء ممتع في هذا الخيال،أما فيما يخص كتاب الستينات،فالمتعة أيضا في التشفي الشرير  من عدم قدرتهم علي انتاج روايات أكثر  امتاعا للمؤمراة التي يروجون لها،بينما فعله ببساطة من هم أقل منهم شأنا،واكتفوا هم بترديد عناوينها

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق